محمود محمود الغراب
18
الإنسان الكامل من كلام الشيخ الأكبر
بربه ، فهو فقير إلى العالم أبدا ، فمن ذاق طعم الغنى عن العالم - وهو يراه عالما - فإنه محجوب عن المقام الأرفع في حقه ، لأن العالم مشهود له ، ولهذا اتصف بالغنى عنه ، فلو كان الحق مشهوده - وهو ناظر إلى العالم - لا تصف بالفقر إلى اللّه ، وحاز المقام الأعلى في حقه ، وهو ملازمة الفقر إلى اللّه ، لأن في ذلك ملازمة ربه عز وجل . ( ف ح 4 / 308 ) . ومع ذلك ترى الكامل يحزن ، من جهة من كلّفه اللّه النظر في تحصيل ما يقوم بهم ويقوتهم من أهله ، وما يهتم بذلك إلا متشرع أديب ، عانق الأدب وعرف قدر ما شرع له من ذلك ، فإن طريق الأدباء طريق خفية لا يشعر بها إلا الراسخون في العلم ، المحققون بحقائق الفهم عن اللّه ، فكما أن اللّه ليس بغافل عما يحتاج إليه عباده ، كذلك أهل اللّه لا يغفلون عما قال لهم الحق احضروا معه ولا تغفلوا عنه ، فترى الكامل حريصا على طلب مؤنة أهله ، فيتخيل المحجوب أن ذلك الحرص منه لضعف يقينه ، وكذلك في ادخاره ، وليس ذلك منه إلا ليوفي الأدب حقه مع اللّه فيما حد له من الوقوف عنده . ( ف ح 4 / 309 ) . علامة الإنسان الكامل من نفسه : اعلم أنك لا تعلم أنك على الصورة ، ما لم تعلم قوله صلى اللّه عليه وسلم : « المؤمن مرآة أخيه » ؛ فيرى المؤمن نفسه في مرآة أخيه ، ويرى الآخر نفسه فيه ، وليس ذلك إلا في حضرة الاسم الإلهي المؤمن ، قال تعالى : إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ وقال صلى اللّه عليه وسلم : « المؤمن كثير بأخيه » كما أنه واحد بنفسه ، فيعلم أن الأسماء الإلهية كلها كالمؤمنين إخوة فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ يعني إذا تنافروا ، كالمعز والمذل ، والضار والنافع ، وأما ما عدا الأسماء المتقابلة فهم إخوان على سرر متقابلين ، وليس يصلح بين الأسماء إلا الاسم الرب ، فإنه المصلح ، والمؤمن من حيث ما هو مرآة ، فمن رأى نفسه هكذا ، علم أنه خليفة من الخلفاء بما رآه من الصورة ، والإنسان الحيوان لا مرآة له ، وإن كان له شكل المرآة ، لكنها ما فيها جلاء ولا صقالة ، قد طلع عليها الصدأ والران . ( ف ح 3 / 370 ) . وما جعل الحق تعالى لواحد مما سوى اللّه أمرا في العالم ولا نهيا ، ولا خلافة ولا تكوينا عاما ، وجعل ذلك للإنسان الكامل ، فمن أراد أن يعرف كماله ، فلينظر في نفسه ، في أمره